محمد بيومي مهران

51

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

المنار على الجمهور هذا الرأي ، ويقول الإمام الفخر الرازي : الهم خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع ، كالصائم يرى في الصيف الماء البارد ، فتحمله نفسه على الميل إليه وطلب شربه ، ولكن يمنعه دينه عنه ، وقال أبو حيان في البحر : نسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همّ البتة ، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان ، وقال أبو السعود : إن همّه إليها بمعنى ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية ، ميلا جليا ، لأنه قصدها قصدا اختياريا ، الا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له ونفرته منه ، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين ، وهل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهمّ منه تسجيلا محكما ، وما قيل : إنه حلّ الهميان ، وجلس مجلس الختان ، فإنما هي خرافات وأباطيل تمجّها الأذان ، وتردها العقول والأذهان « 1 » . هذا وقد ذهب صاحب تفسير المنار « 2 » إلى أنها همت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها ، وهي السيدة الآمرة ، وهمّ هو برد الاعتداء ، ولكنه آثر الهرب فلحقت به وقدت قميصه من دبر ، على أن تفسير الهمّ ، فيما يرى صاحب الظلال « 3 » ، بأنه همّ الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة ، فهم مجرد رأى لمحاولة البعد بيوسف عن همّ الفعل أو همّ الميل إليه في تلك الواقعة ، وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص ، ثم يرى في قوله تعالى وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ نهاية موقف طويل من الإغراء ، بعد ما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم ، وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف ، ثم الاعتصام باللّه في النهاية

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي 18 / 119 ، تفسير البحر المحيط 5 / 295 ، تفسير أبي السعود 2 / 63 ، تفسير المنار 12 / 231 - 136 . ( 2 ) تفسير المنار 12 / 229 - 231 . ( 3 ) في ظلال القرآن 4 / 1981 - 1982 ( بيروت 1982 ) .